تاريخ النشر: 2026-10-20 | 19:51
تاريخ النشر: 2026-10-20 | 19:51
لندن: تتشابه مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إزاء الحرب الروسية الأوكرانية مع رؤى طرحها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر عام 2017، إذ قلل آنذاك من مسؤولية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الأزمة، محملًا السياسات الأمريكية وتوسع حلف شمال الأطلسي "الناتو" جانبًا من المسؤولية، وفقًا لرواية دبلوماسي بريطاني سابق عن لقاء جمع كيسنجر بوزير الخارجية البريطاني آنذاك بوريس جونسون في نيويورك.
ويعيد هذا التقاطع تسليط الضوء على أوجه التشابه بين مقاربة كيسنجر للعلاقات مع موسكو ونهج ترامب، لا سيما في تفسير جذور الصراع، وتحديد المسؤولية عنه، والتعامل مع مستقبل أوكرانيا وحقها في اختيار تحالفاتها الدولية، بحسب مقال نشرته صحيفة "التليغراف" البريطانية.
تبرئة بوتين
في مارس 2017، التقى كيسنجر، الذي كان يبلغ آنذاك 93 عامًا، بوريس جونسون في نيويورك، في وقت كانت فيه روسيا تخوض حربًا ضد أوكرانيا منذ عام 2014، بعدما ضمت شبه جزيرة القرم وسيطرت على مناطق في إقليم دونباس.
وبحسب الرواية الواردة في المقال الأصلي، كانت الحرب قد أودت بحياة نحو 10 آلاف أوكراني، وأجبرت 1.6 مليون شخص على النزوح من منازلهم بحلول موعد اللقاء.
وخلال الاجتماع، وصف كيسنجر بوتين بأنه شخصية تشبه أبطال روايات الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، وتسعى إلى الحفاظ على تصورها الخاص لكرامة بلادها. وقال إنه يشعر بقلق أكبر إزاء احتمال تفكك روسيا مقارنة بانتصارها.
كما أرجع جانبًا من الأزمة إلى إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، منتقدًا تعاملها مع بوتين، ومعتبرًا أن المسؤولين الأمريكيين تعاملوا معه بتعالٍ ولم يحافظوا على قنوات اتصال مناسبة معه.
ويشير المقال إلى أن هذا الطرح يتشابه مع مواقف ترامب التي تلقي باللوم على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أو الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أو الدول الأوروبية، بدلًا من تحميل بوتين المسؤولية الأساسية عن الحرب.
علاقة خاصة استثنائية
لم يقتصر موقف كيسنجر على تفسير أسباب الصراع، بل امتد إلى تصوره للعلاقة التي ينبغي أن تربط الولايات المتحدة بروسيا. فقد رأى أن بوتين يريد إقامة "علاقة خاصة" مع واشنطن، ولم يكن يعارض تحقيق ذلك، رغم تشكيكه في إمكانية حدوثه بسبب وجود قوى أمريكية معادية للتقارب مع موسكو.
واستعاد كيسنجر، خلال اللقاء، محادثة سابقة مع بوتين بشأن سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار النفوذ السوفيتي في أوروبا الشرقية. وقال إنه سأل الرئيس الروسي عن سبب عدم سعي الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف إلى التفاوض بشأن الانسحاب من أوروبا الشرقية بدلًا من التخلي عنها دون مقابل.
وبحسب المقال، أعجب بوتين بهذا الطرح، الذي يعكس تصورًا للعلاقات الدولية يقوم على التفاوض بين القوى الكبرى بشأن مناطق النفوذ، حتى عندما يتعلق الأمر بدول استعادت استقلالها وسيادتها.
ويرى كاتب المقال أن هذا التصور يتوافق مع رؤية بوتين، الذي ينظر إلى أمن روسيا ونفوذها باعتبارهما مبررًا للتفاوض بشأن الخيارات الاستراتيجية للدول المجاورة، بما فيها أوكرانيا.
أزمة أوكرانيا
وحمل كيسنجر توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا جانبًا من المسؤولية عن الأزمة الأوكرانية، معتبرًا أن انضمام دول أوروبية كانت ضمن دائرة النفوذ السوفيتي إلى الحلف أسهم في خلق المشكلة مع موسكو.
وقال إن دخول الناتو إلى أراضٍ وصفها بأنها "روسية من الناحية الاختصاصية"، على حد تعبيره، تسبب في أزمة، مضيفًا أن أوكرانيا لا تمثل، في نظر روسيا، دولة أخرى منفصلة عنها بالمعنى نفسه الذي ينطبق على بقية الدول.
ومع ذلك، أقر كيسنجر بحق أوكرانيا في إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع الغرب، لكنه عارض انضمامها إلى تحالف عسكري غربي، في موقف يعكس رؤيته لضرورة مراعاة المصالح الأمنية الروسية عند تحديد مستقبل كييف.
ويعتبر كاتب المقال أن هذه الرؤية تضعف مبدأ استقلال القرار الأوكراني، لأنها تمنح موسكو دورًا في تحديد التحالفات التي يمكن لكييف الانضمام إليها.
من كيسنجر إلى ترامب
يخلص المقال إلى أن الأفكار التي طرحها كيسنجر عام 2017 تتشابه مع الأسس التي يرى الكاتب أنها تحكم تعامل ترامب مع بوتين، خصوصًا تفسير السلوك الروسي من منظور المخاوف الأمنية لموسكو، وانتقاد الغرب، والبحث عن تسوية مباشرة بين واشنطن والكرملين بشأن مستقبل الحرب.
ويشير الكاتب إلى أن هذا النهج قد يفضي إلى التوصل إلى تفاهم بين القوى الكبرى على حساب أوكرانيا، إذا جرى التعامل مع مستقبلها باعتباره موضوعًا للتفاوض بين واشنطن وموسكو بدلًا من احترام حقها في تقرير خياراتها السيادية.
ويستند المقال في هذه المقارنة إلى أن كيسنجر كان قد منح هذا التصور شرعية فكرية وسياسية، مستفيدًا من مكانته بوصفه أحد أبرز منظّري السياسة الخارجية الأمريكية.
ومع ذلك، يلفت المقال إلى أن موقف كيسنجر لم يبقَ على حاله. فقد كان على قيد الحياة عندما شنت روسيا عملياتها الخاصة ضد أوكرانيا في فبراير 2022، وأدان الهجوم الروسي. وبحلول وفاته عام 2023، عن عمر ناهز 100 عام، كان قد غيّر موقفه بشأن عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، وأعلن أنه ينبغي السماح لها بالانضمام إليه.
لكن الكاتب يرى أن مواقف كيسنجر السابقة، ولا سيما تلك التي عبّر عنها في لقاء عام 2017، قدمت أساسًا فكريًا يمكن الاستناد إليه لتبرير سياسة أمريكية تتساهل مع بوتين، وتفتح المجال أمام تفاهمات قد تؤدي إلى اقتطاع أجزاء من الأراضي الأوكرانية أو تقليص استقلال قرارها.