استمرار ليندبرغ في موقعه الأممي، زمن الحصار الكبير وأزمة الغذاء في قطاع غزة، والقيود التي رسمتها المنظمة يمثل مشاركة في حرب الإبادة والتجويع، وعار إنساني لا غفران له.

غزة تحت المطر... حين يصبح الشتاء وجهًا آخر للوجع

غزة تحت المطر... حين يصبح الشتاء وجهًا آخر للوجع

تاريخ النشر: 2026-11-08 | 12:44

د. ليلى جبريل
د. ليلى جبريل
ليس كل المطر غيثًا، وليس كل شتاء فصلًا للدفء والحنين. ففي غزة، جاء المنخفض الجوي الأول محمّلًا بما يفوق قدرة القلوب على الاحتمال، وكأن السماء قررت أن تختبر ما تبقّى فينا من صبر، بعد أن استنزفت الحرب أرواحنا وأحلامنا وبيوتنا.
اليوم، وأنا أعيش هذه المأساة من قلب غزة، لا أكتب عن مشهد قرأته في نشرة إخبارية، ولا عن صور شاهدتها عبر الشاشات، بل أكتب عن واقع أراه وألمسه وأتنفس وجعه في كل لحظة.
هنا، في غزة، لا يستقبل الناس الشتاء بفرحة المطر، ولا يترقبون رائحة الأرض المبللة كما يفعل الآخرون. هنا، حين تتلبد السماء بالغيوم، ترتجف القلوب قبل الأجساد، وتبدأ العيون بمراقبة السماء، لا انتظارًا للمطر، بل خوفًا مما قد يحمله.
تخيلوا أن تكونوا بلا بيت، بلا جدران تحميكم، بلا سقف يصد عنكم الريح، وأن يكون عنوانكم قطعة قماش مهترئة، لا تقيكم بردًا ولا تمنع عنكم ماءً.
تخيلوا أمًّا تضم أطفالها في زاوية خيمة، تحاول أن تحمي أجسادهم الصغيرة من قطرات المطر المتسللة من ثقوب النايلون، وأبًا يقف حائرًا لا يعرف من أين يبدأ؛ هل ينقذ الفراش الذي ابتلّ؟ أم يرفع الأغطية عن الأرض؟ أم يبحث عن مكان جاف يضع فيه أطفاله؟
تخيلوا طفلًا يستيقظ ليجد فراشه غارقًا بالماء، وملابسه مبللة، وألعابه القليلة التي نجت من الحرب قد ابتلعتها مياه المطر والطين.
أي ذنب ارتكبه هذا الطفل حتى يصبح سقف أحلامه قطعة نايلون؟ وأي قسوة هذه التي تجعل أبسط حقوق الإنسان، كالنوم في فراش جاف وآمن، حلمًا بعيد المنال؟
في غزة، لم يعد المطر مجرد حالة جوية؛ أصبح امتحانًا جديدًا للبقاء. الخيام تغرق، والأغطية تبتل، والفرش تتحول إلى كتل من الماء والطين، والرياح تعبث بما تبقى من ستر العائلات. أما المرضى وكبار السن والأطفال والنساء، فيواجهون بردًا لا يملكون له دواءً، ولا مأوى يخفف عنهم قسوته.
وما يزيد المشهد وجعًا أن هذه الخيام لم تكن يومًا خيارًا لأصحابها، بل كانت آخر ما تبقى لهم بعدما فقدوا بيوتهم وأمانهم واستقرارهم. لقد خرجوا من تحت ركام المنازل، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة ركام جديد من المعاناة، تصنعه الأمطار والرياح والبرد.
لقد رأيت من العذاب ما تعجز اللغة عن احتوائه، وشاهدت وجوهًا أنهكها الانتظار، وعيونًا لم تعد تعرف كيف تبكي، وأناسًا يحاولون إنقاذ ما تبقى من أشيائهم البسيطة، وكأنهم يحاولون إنقاذ ما تبقى من حياتهم.
وأكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن أصف للعالم حقيقة المشهد كما هو؛ فبعض الأوجاع أكبر من الكلمات، وبعض المشاهد لو نُقلت كما هي لاحتاجت القلوب إلى عمر كامل حتى تستوعبها.
يا عالم...
لسنا بحاجة إلى صور جديدة توثق غرق خيامنا، ولا إلى كلمات تعاطف عابرة تنتهي بانتهاء الخبر. نحن بحاجة إلى فعل حقيقي، إلى مأوى يحفظ كرامة الإنسان، وإلى خيام تليق بالبشر، وأغطية وملابس شتوية ووسائل تدفئة، وإلى حماية أطفال لم يعرفوا من طفولتهم إلا الخوف والفقد والحرمان.
لا تجعلوا من شتاء غزة خبرًا موسميًا تتداولونه ثم تنسونه. فخلف كل خيمة حكاية إنسان، وخلف كل طفل مبلل أمٌّ تقاوم عجزها، وخلف كل فراش غارق أسرة تحاول أن تجد مكانًا جافًا لتنام فيه.
وأنا، بوصفي إنسانة من غزة، وشاهدة على هذه المأساة، أقول: إننا لا نطلب المستحيل، ولا نطلب امتيازات لا يملكها غيرنا؛ نحن نطلب حقنا البسيط في الحياة، في الدفء، في الأمان، وفي أن ننام ليلة واحدة دون أن نخشى أن تستيقظ أجسادنا على مياه المطر.
غزة لا تحتاج إلى من يشاهد وجعها فقط، بل إلى من يتحرك لوقفه.
فليس أقسى من أن تفقد بيتك في الحرب، إلا أن تقضي شتاءك تحت خيمة لا تستطيع أن تحميك من المطر.
اللهم دفئًا لكل طفل يرتجف، ومأوى لكل عائلة فقدت بيتها، ورحمةً بقلوب أرهقها النزوح، وسلامًا يليق بغزة وأهلها.
غزة لا تبكي المطر... غزة تبكي وطنًا كان ينبغي أن يحمي أبناءه من كل هذا الوجع.
أكتب اليوم لا بصفتي كاتبة تبحث عن جمال العبارة، بل بصفتي ابنة غزة التي تعيش تفاصيل الوجع، وتشاهد بعينيها ما تعجز الكلمات عن نقله. هذه ليست حكاية من وحي الخيال، بل شهادة إنسانية من قلب المأساة. لعلّ الكلمات تصل إلى ضمير لم توقظه الصور بعد.
×
أخبار
عقيدة ميلر: صعود «مستشار الحرب» إلى كبير موظفي البيت الأبيض ينذر بمواجهة سياسية حادة الخليج في مواجهة ثلاثة تحديات وجودية كبرى: ما بعد النفط.. وأمريكا.. ومضيق هرمز اعتقال 3 أشخاص في برلين بتهمة استبدال العلم الألماني بالعلم الفلسطيني فوق مبنى الرايخستاغ ليبرمان يجدد رفضه حكومة بدعم الأحزاب العربية ويدافع عن تسوية قانون التجنيد لإنهاء حكم نتنياهو إسرائيل تربط إدخال معدات إعادة الإعمار والكرفانات إلى غزة بنزع سلاح حماس الفن يتخطى سلطة الاحتلال.. معارض فنية تروي حكايات فلسطين في مدن عالمية إيلزه أيغنر تقترب من أن تكون أول امرأة تتولى رئاسة ألمانيا - تفاصيل باراغواي تحبس رئيسها.. 3 ملايين عميل في قلب فضيحة بنك أوينو - تفاصيل السفير الأمريكي السابق في إسرائيل شابيرو: نتنياهو أصبح "شخصية سامة سياسيا" إصابة ما لا يقل عن 150 شخصاً جراء انقلاب أربع عربات قطار في مدينة العياط شمالي مصر قناة: كيف نشأت قناة تمويل قطرية لحماس بعلم ثلاث حكومات إسرائيلية نقابة المحامين في فلسطين توجه نداءً عاجلا للمجتمع الدولي للتحرك لمواجهة تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة حزب بريطاني يجمع 90 ألف توقيع لمساءلة حكومة بيرنهام عن حرب غزة ثلاجات أوروبا تتحول إلى سلاح إلكتروني.. اختراق 800 مجمد يهدد غذاء القارة تفاصيل اجتماع الجامعة العربية لدعم طلاب فلسطين مظاهرات في ستوكهولم تنديدا بجرائم الإسرائيلية في فلسطين ولبنان الجامعة العربية: توحيد الإجراءات والعمل العسكري المشترك ضرورة استراتيجية للأمن القومي شرطة حكومة نتنياهو تطلق سراح الصحفي عبد أبو شحادة خطيئة غوتيريش الفلسطينية قبل الوداع..تتطلب تصويبا! عبري: بن غوريون تمنى أن تغرق غزة في البحر ..وحذر من احتلالها التحالف: اعتراض صاروخين باليستيين أطلقها الحوثيين باتجاه الرياض الليكود يعتزم التوجه إلى القضاء ضد نتائج الانتخابات والمطالبة بإعادتها عبري: وثائق سرية تكشف مراقبة أمريكية واسعة لإسرائيليين منها شخصيات بارزة الناخبون اليهود الأمريكيون في انتخابات 2026: ثبات الانتخابات الديمقراطية وتصدّع جيلي غير مسبوق إزاء إسرائيل تقارير عن ضربات جوية أمريكية تستهدف جنوب إيران في بندر عباس وجزيرة قشم مستشار صحي سابق يتهم مسؤولي البيت الأبيض بخدمة المصالح الخاصة وتعطيل إصلاحات "ماغا" هرتسوغ يعلن: سأكلّف غادي إيزنكوت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية كارثة إنسانية وصحية تتكشف في خيام النازحين بغزة بفعل الأمطار.. ومطالبات رسمية وفصائلية بتحرك دولي عاجل ترامب يأمر بالتحقيق مع الديمقراطيين بتهمة ابتزاز مسؤولين في إدارته الرئاسة الفلسطينية: نحمل حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط