"تتجلى تداعيات استراتيجية "إدارة الأزمات الدائمة" في تعميق أزمة النظام السياسي الإسرائيلي وتحويل التهديدات الأمنية إلى أداة أساسية للتحكم بالاستحقاقات الانتخابية وضمان بقاء الائتلاف الحاكم..."
المقدمـــة:
تُمثِّل عقيدة "إدارة الأزمات الدائمة" في الفكر السياسي لبنيامين نتنياهو الركيزة الأساسية لتشييد سلطويته الهجينة، حيث يتحول التهديد الأمني من حالة طارئة تستوجب المعالجة إلى أداة حوكمة وإستراتيجية بقاء سياسي مُستدامة.
من خلال التغذية المستمرة لـ "فزَّاعات" الخطر الوجودي — بدءاً من الملف النووي الإيراني وصولاً إلى "محور الممانعة" والأزمات الإقليمية — يعيد نتنياهو هندسة البيئة السياسية الإسرائيلية لتصبح مجهزة دوماً لمواجهة أخطار داهمة تُعطِّل أدوات الديمقراطية ومؤسسات المحاسبة.
وتكتسب هذه الإستراتيجية أهمية مضاعفة مع الاقتراب من الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي (المحدد في 26 أكتوبر 2026)، إذ لا يُنظر إلى الانتخابات كموعد ديمقراطي للاحتكام والشعبية، بل كمحطة يراها نتنياهو تهديداً لسلطته يجب احتواؤها أو إلغاء أثرها عبر خلق بيئة أمنية ضاغطة تدمج بين الهروب من الملاحقة القضائية وإعادة صياغة أولويات الناخب الإسرائيلي.
تُبرز قراءة ديناميكيات السلوك السياسي لنتنياهو خمسة أبعاد تحليلية رئيسية تُفسِّر آلية توظيف "الفزَّاعات" للتحكم بالمشهد السياسي..
ونناقش هنا أبرز تداعيات هذا الطرح على المشهد السياسي الحالي ومعادلة الانتخابات:
1. الهندسة الإستراتيجية للاستحقاق الانتخابي (ارتهان الديمقراطية بالأمن):
•تحويل الأمن إلى متغير تحكم: يمارس نتنياهو عملية "تسييس هندسي" للتهديدات العسكرية؛ بحيث يرتبط التوقيت السياسي للتصعيد أو التهدئة بمكاسبه الشخصية، وتحول الاستحقاق الدستوري من آداة لتجديد الشرعية إلى ورقة مساومة للتأجيل أو تعطيل المسار الديمقراطي.
•الضغوط على المعارضة: يضع التصعيد الإقليمي المعارضة الإسرائيلية في مأزق أخلاقي وسياسي؛ إذ يُصبح أي حراك لإسقاط الحكومة أو الإصرار على إجراء الانتخابات بمثابة "شق للصف الداخلي" في زمن الحرب.
2. التوظيف التكتيكي للمادة (9 أ) وشلل العوائق القانونية:
•تسييس النص الدستوري: تسمح المادة (9 أ) من قانون أساس الكنيست بتأجيل الانتخابات بأغلبية 80 عضواً في الظروف الاستثنائية، لذا يسعى نتنياهو لتخليق بيئة أمنية تتسم بالتوتر القائم والمستمر لفرض هذا الخيار كأمر واقع.
•المكيدة السياسية للمعارضة: يُحرج نتنياهو المعارضة الإسرائيلية بوضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما التصويت لصالح التأجيل وتمديد عمر الائتلاف الحاكم، أو رفضه والظهور بمظهر "المستهتر بالمسؤولية الوطنية" أمام الشارع.
3. الإفلات الممنهج من المحاسبة وترحيل الاستحقاقات القضائية:
•ترحيل تشكيل لجنة التحقيق الرسمية: تشكل الفزَّاعات الأمنية الحصن الأول لمنع تشكيل "لجنة تحقيق رسمية" لبحث إخفاقات 7 أكتوبر، حيث تُصَدَّر مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
•عرقلة المسار القضائي: يُستغل التصعيد المستمر لإرجاء جلسات المحاكمة المتعلقة بتهم الفساد والرشوة وتأطير المحاكمات كـ "استهداف سياسي" يقوده الجهاز القضائي لإضعاف القيادة العسكرية والسياسية في وقت أزمة وجودية.
4. إعادة تشكيل الأجندة الانتخابية وتهشيم القضايا الداخلية:
•إزاحة أزمات الائتلاف: يعمل الإبقاء على ملفات "البقاء والتهديد الوجودي" في صدارة المشهد على تهميش الملفات الشائكة التي تهدد الائتلاف من الداخل، وفي مقدمتها قانون تجنيد الحريديم والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
•إضعاف بدائل المعارضة: يحرم هذا الطرح المعارضة من طرح برامجها القائمة على ملفات الحوكمة، الإصلاح القضائي، والتفكك الاقتصادي، إذ تُمحى هذه الملفات أمام خطاب "الخطر الداهم".
5. الاستقطاب الترهيبي وتكتيل الكتلة اليمينية:
•شيطنة البدائل السياسية: يعتمد الخطاب الانتخابي لنتنياهو على تصوير المعارضة كبديل ضعيف وغير قادر على التعامل مع ملفات شائكة مثل القنبلة النووية الإيرانية أو جبهات الممانعة.
•إعادة شد العصب اليميني: يضمن الترهيب الممنهج بقاء قواعد اليمين واليمين القومي المتطرف متكتلة حول نتنياهو باعتباره "السياسي المجرب" والوحيد القادر على قيادة الدولة في مرحلة التهديدات الكبرى.
🟩🔚 الخاتمـــة:
تُثبت دراسة حالة نتنياهو أن إستراتيجية "الفزَّاعات" وإن نجحت تكتيكياً في إطالة عمره السياسي والهروب من المحاسبة، إلا أنها تُعمِّق الأزمة الهيكلية للكيان الإسرائيلي.
إن تحويل المؤسسات الدستورية والجهاز القضائي والاستحقاقات الانتخابية إلى رهائن للملف الأمني يؤدي بالضرورة إلى تآكل شرعية الدولة ومؤسساتها من الداخل.
ومع اقتراب موعد انتخابات أكتوبر 2026، يقف النظام السياسي الإسرائيلي أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في الارتهان لإستراتيجية "الأزمات المصنَّعة" التي تخدم الفرد على حساب الدولة، أو قدرة المنظومة السياسية والمجتمعية على تفكيك هذه الإستراتيجية وإعادة الاعتبار للمؤسسات والمحاسبة الديمقراطية.
⁉️ ونطرح هنا عدة أسئلة استراتيجية، نحاول من خلالها قراءة واستشراف تداعيات الأزمة وفزَّاعات نتنياهو:
هل تستطيع المعارضة الإسرائيلية كسر معادلة "الارتهان الأمني" وطرح رؤية استراتيجية تقنع الشارع بأن الاستمرار مع نتنياهو هو الخطر الوجودي الحقيقي؟!
وإلى أي مدى يمكن للمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية الاستمرار في لعب دور الشريك الإجباري في سياسة "الفزَّاعات" دون أن يحدث تصادم علني ومباشر مع المستوى السياسي؟!
وفي حال اللجوء لتفعيل المادة (9 أ) لتأجيل انتخابات 2026، ما هي التداعيات المرتقبة على الشارع الإسرائيلي ومدى استجابته لموجات احتجاجية جديدة قد تزيد من عمق الانقسام الداخلي؟!
ثم كيف تؤثر المتغيرات الإقليمية والدولية (خاصة سياسات الإدارة الأمريكية والموقف من إيران) على قدرة نتنياهو في الاستمرار بتوظيف "الفزَّاعة الإيرانية" كأداة محلية؟!