تاريخ النشر: 2026-10-23 | 21:30
تاريخ النشر: 2026-10-23 | 21:30
واشنطن: بعد عقود من الصمت، قرر الملياردير الأمريكي رون لاودر، أحد أبرز داعمي المشروع الصهيوني والرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي، كشف تفاصيل قطيعة جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما كان من أقرب المقربين إليه.
لا تتوقف شهادته عند خلاف شخصي، بل تمتد إلى اتهامات بأن نتنياهو قدّم مستقبله السياسي على مصلحة إسرائيل، وأضاع فرصة اتفاق سلام مع سوريا ولبنان. وبين انتقاده صعود اليمين المتطرف وتراجع علاقات إسرائيل الدولية، يطرح لاودر سؤالًا يتجاوز الانتخابات المقبلة: “هل لا تزال القيادة الإسرائيلية قادرة على حماية مستقبل الدولة، أم أن حسابات السلطة باتت تهدد إرثًا قضى عمره في دعمه؟”.
من الصداقة إلى القطيعة
لم يكن لاودر مجرد صديق لنتنياهو، فقد ساعده في بناء شبكة علاقات أمريكية مؤثرة، وعرّفه على مستشار انتخابي بارز، وأقام له حفل وداع لدى مغادرته الأمم المتحدة. ويقول إن علاقتهما كانت وثيقة إلى حد التواصل اليومي أحيانًا، قبل أن يتغير نتنياهو بعد عودته إلى إسرائيل وانخراطه في السياسة الداخلية، وفق صحيفة هارتس العبرية، الخميس 22 أكتوبر 2026.
وبحسب رواية لاودر، أصبح نتنياهو أكثر انشغالًا بتعزيز موقعه داخل حزب “الليكود”، ثم تراجعت علاقتهما وسط خلافات ارتبطت أيضًا بزوجته سارة.
ووصل التوتر إلى ذروته عندما امتلك لاودر القناة العاشرة الإسرائيلية، التي بثت تقارير انتقدت رئيس الوزراء. ويؤكد أن نتنياهو حاول التأثير في التغطية، لكن إدارة القناة رفضت التدخل في محتواها الإخباري. ويلخص لاودر أثر الخلاف بعبارة حاسمة: “لقد دمرتها”، في إشارة إلى العلاقة التي جمعتهما.
اتفاق السلام الذي لم يكتمل
تتجاوز شهادة لاودر خلافات الصداقة إلى ملف أكثر حساسية: المفاوضات السرية التي أجراها في أواخر التسعينيات مع الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، بموافقة نتنياهو، وبحث خلالها أيضًا إمكان التوصل إلى تفاهمات مع لبنان. ويقول إنه تنقل لأشهر بين الأطراف، حتى أُعدت وثيقة من 10 بنود، وإن الأسد كان مستعدًا لتوقيعها، قبل أن يتراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي عن إتمام الاتفاق.
ويؤكد لاودر أن نتنياهو طلب منه الحصول على موافقة وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون، وهو ما اعتبره محاولة لنقل المسؤولية إلى طرف آخر. ويرى أن رئيس الوزراء خشي الكلفة السياسية للاتفاق، رغم ما كان يمكن أن يحققه من تحول إقليمي. أما في الملف اللبناني، فيقول إن التصور المطروح تضمن تحول حزب الله إلى منظمة سياسية، معتبرًا أن تنفيذ التفاهمات كان سيجعل الشرق الأوسط مختلفًا.
ومع ذلك، تبقى هذه التفاصيل شهادة لاودر وروايته للمفاوضات، التي يقول إن نسختين فقط من صيغتها النهائية موجودتان بحوزته. وهي تفتح سؤالًا تاريخيًا بشأن مدى استعداد نتنياهو للتوصل إلى تسوية، وحدود التناقض بين خياراته التفاوضية وحساباته السياسية الداخلية.
تحذير من اليمين المتطرف
اليوم، يربط لاودر بين تجربته السابقة ومخاوفه من مستقبل إسرائيل، متهمًا نتنياهو بالسماح لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش بتوسيع نفوذهما على حساب مصالح الدولة. ويرى أن سياساتهما ألحقت أضرارًا بعلاقات إسرائيل الخارجية، وعمّقت شعور قطاعات من يهود الشتات بأن إسرائيل لم تعد توفر لهم الحماية المعنوية والسياسية التي اعتادوا ربطها بها.
كما يحذر من تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، بما يشمل الجمهوريين والديمقراطيين، ويعتبر أن العلاقة مع واشنطن تواجه اختبارًا بالغ الصعوبة. وفي تقديره، لا تكفي التصريحات الداعمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتبديد مؤشرات التوتر، إذ يرى أن طريقة التعامل مع نتنياهو خلال زيارته الأخيرة عكست تغيرًا في مكانة إسرائيل لدى الإدارة الأمريكية.
قيادة جديدة أم فرصة أخرى ضائعة؟
رغم تمسكه بهويته الصهيونية وتأكيده أنه لا يزال يريد نجاح إسرائيل، يقول لاودر إنه باع شقته في تل أبيب وتبرع بمنزله في بئر السبع، في تعبير عن حجم خيبته من المسار السياسي الراهن. وهو لا يطرح القطيعة بوصفها تخليًا عن إسرائيل، بل يحاول تقديمها كرسالة تحذير من أن استمرار النهج الحالي قد يبدد ما تبقى من رصيدها الدولي.
وعندما سُئل عمن سيختاره لو امتلك حق التصويت في الانتخابات الإسرائيلية، أشار إلى جادي آيزنكوت، الذي يراه أكثر صدقًا وأقل ميلًا إلى الخطاب المنمق، وإن لم يقدمه بوصفه حلًا مضمونًا لأزمات البلاد. كما شدد على أن أي فرصة جديدة للسلام تتطلب قيادة تضع مستقبل إسرائيل فوق الحسابات الشخصية، وتحد من نفوذ المتطرفين.
وفي ختام شهادته، استعاد لاودر مشهد شباب إسرائيليين يغنون “أغنية من أجل السلام”، وهي الأغنية التي ارتبطت بآخر ظهور لرئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين قبل اغتياله عام 1995. وقد أعاد المشهد إليه احتمال أن تستعيد إسرائيل مسارًا مختلفًا. لكن رسالته الأساسية بقيت واضحة: “الفرص السياسية لا تنتظر إلى الأبد، والدولة التي تجعل بقاء القادة في السلطة أولوية قد تجد نفسها أمام خسائر يصعب تعويضها”