تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:59
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:59
في النقاشات التي شهدها الاجتماع الأول لأمانة سر الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في لبنان، برزت مجموعة من القضايا والمهام التي تستدعي حضور الاتحاد وفاعليته خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تعزيز انفتاحه على المشهد الثقافي اللبناني. وقد حظيت هذه المسألة باهتمام خاص، انطلاقا من أهمية الثقافة في إعادة بناء مساحات التلاقي والحوار، والإسهام في تصحيح الصورة النمطية التي لا تزال بعض الفئات اللبنانية تحملها تجاه الفلسطيني في لبنان، وهي صورة تختلط فيها عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وتتداخل فيها وقائع الماضي مع تداعيات الحاضر.
ولعل أهمية هذه المهمة لا تكمن فقط في كونها مسؤولية تقع على عاتق اتحاد أو مؤسسة ثقافية بعينها، بل في كونها قضية تتصل بصورة الفلسطيني وحضوره وعلاقته بالمجتمع اللبناني. لذلك، فإن الثقافة تصبح واحدة من أهم المساحات التي يمكن من خلالها إعادة تقديم الفلسطيني إلى اللبناني، ليس بوصفه رقماً في سجلات اللجوء، ولا بوصفه عنوانا سياسيا أو أمنيا، ولا باعتباره امتدادا لمرحلة تاريخية انتهت بمختلف تفاصيلها، وانما باعتباره إنسانا له ذاكرة وحكاية وحياة يومية وأحلام وتطلعات، وله في الوقت نفسه قضية وطنية وحق ثابت في العودة إلى أرضه.
إن الصورة النمطية لا تواجه بالخطاب السياسي وحده، ولا يمكن تصحيحها بمجرد البيانات والمواقف الرسمية، لأن الصور المتراكمة في الوعي الجمعي تنتجها، في جانب أساسي منها، الحكايات والروايات والصور التي تصل إلى الناس عبر الثقافة والإعلام والعلاقات اليومية. ولهذا، فإن المثقف الفلسطيني يمتلك موقعا مميزا في هذه المواجهة، لأنه قادر على الوصول إلى مناطق في الوعي لا يصل إليها الخطاب السياسي المباشر، وقادر على أن يجعل من الأدب والفن والرواية والشعر والمسرح والصحافة الثقافية أدوات لإعادة اكتشاف الإنسان الفلسطيني بعيدا عن الصور الجاهزة.
فالكاتب والروائي والشاعر والقاص والمسرحي والفنان الفلسطيني كلهم مطالبون بأن يجعلوا من إنتاجهم الثقافي مرآة للمخيم، بكل ما فيه من وجع وأمل، ومن حرمان وصمود، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي غالبا ما تغيب خلف العناوين السياسية الكبيرة. وليس المطلوب صناعة صورة مثالية للمخيم، ولا تقديمه باعتباره مجتمعا خاليا من المشكلات، بل تقديم صورته كما هي، بحلوها ومرها، بمآسيها وتناقضاتها، وبكل ما تختزنه من قيم إنسانية ووطنية واجتماعية.
لأن تقديم المخيم بواقعه سيعني: امرأة تحمل أحلامها إلى مستقبل أفضل، وأم تحاول أن تؤمن لأطفالها حياة كريمة، وطفل يحمل حقيبته إلى المدرسة، وشاب يبحث عن فرصة عمل، وعامل يخرج صباحا بحثا عن قوت اطفاله، وكهل يحمل ذاكرة قرية أو مدينة تركها أهله قسرا، وشابة تحاول أن تبني مستقبلها رغم ضيق الخيارات. هو مجتمع يعيش تفاصيل الحياة كما يعيشها أي مجتمع آخر، وإن كانت مقومات الحياة فيه أكثر قسوة وأقل عدالة.
إن الكتابة عن المخيم بهذا المعنى ليست مجرد كتابة عن مكان جغرافي، وإنما كتابة عن الإنسان الفلسطيني. والمخيم ليس مجرد تجمع سكاني نشأ بفعل اللجوء، بل هو أيضا نتاج للنكبة ووعاء للذاكرة الوطنية والثقافية والاجتماعية. إنه المكان الذي حافظ فيه الفلسطينيون على أسماء قراهم ومدنهم، وعلى عاداتهم وذاكرتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وحولوا اللجوء من حالة مؤقتة فرضتها النكبة إلى شاهد حي على استمرار القضية الفلسطينية وحق العودة.
هنا تأتي أهمية الأدب والثقافة. فحين يكتب الروائي عن المخيم، فهو لا يروي حكاية داخلية فقط، بل يفتح نافذة أمام القارئ اللبناني ليرى الفلسطيني من الداخل. وحين يكتب الشاعر عن ذاكرة المكان، فإنه لا يستعيد الماضي لمجرد الحنين، بل يشرح معنى أن يعيش الإنسان بعيدا عن وطنه. وحين يرسم الفنان وجوه الناس وأزقة المخيم، فإنه يقدم صورة أكثر صدقا من كثير من الصور التي تختزل المخيم في حدث أمني أو سياسي عابر.
لقد عانى الفلسطيني في لبنان، على مدى عقود، من أن صورته كثيرا ما كانت تختزل في سياقات سياسية وأمنية مرتبطة بمراحل معينة من التاريخ اللبناني والفلسطيني. ولا يمكن إنكار أن التاريخ ترك أثرا عميقا في الوعي اللبناني، وأن الحرب اللبنانية وما رافقها من أحداث وصراعات ومآس أسهمت في إنتاج مواقف وذاكرة متناقضة تجاه الفلسطينيين. لكن المشكلة تكمن عندما يتحول التاريخ إلى حكم دائم على أجيال لم تعش تلك التجربة، وعندما ينظر إلى الفلسطيني المعاصر من خلال صورة فلسطيني آخر عاش في زمن مختلف وظروف مختلفة.
وهنا تحديدا يمكن للثقافة أن تؤدي دورا لا يستطيع الخطاب السياسي وحده القيام به. فالجيل اللبناني الشاب الذي لم يعش الحرب اللبنانية، ولا يعرف الفلسطيني إلا من خلال ما ورثه من روايات عنها، يحتاج إلى فرصة لكي يلتقي بالفلسطيني الإنسان، لا بالفلسطيني الذي جرى اختزاله في كتب التاريخ أو نشرات الأخبار. وهذه المساحة يمكن أن توفرها الثقافة من خلال الكتاب والجامعة والمسرح والندوة والمعرض والكتاب المشترك والفعالية الثقافية والحوار المباشر.
إن تغيير الصورة النمطية لا يعني إلغاء التاريخ أو إنكار الوقائع، ولا يعني مطالبة اللبنانيين بالتخلي عن ذاكرتهم أو قناعاتهم. بل يعني فتح مساحة جديدة لقراءة أكثر اتزانا وموضوعية للواقع، تسمح بالتمييز بين الفلسطيني كإنسان ولاجئ وقضية، وبين المراحل السياسية التي مر بها لبنان والمنطقة. كما يعني الاعتراف بأن الأجيال الجديدة ليست مسؤولة عن كل ما جرى في الماضي، وأن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تبقى رهينة صور أنتجتها الحروب والانقسامات.
ومن هنا، فإن مسؤولية المثقفين الفلسطينيين لا تنحصر في الدفاع عن الفلسطيني أمام اللبناني، وإنما تتجاوز ذلك إلى بناء معرفة متبادلة بين المجتمعين. فالمثقف الفلسطيني لا ينبغي أن يكون في موقع المدافع الدائم، بل في موقع الشريك في إنتاج خطاب جديد عن العلاقة الفلسطينية – اللبنانية. خطاب يعترف بما هو إيجابي وسلبي، ويضع الإنسان في قلب العلاقة، ويبحث عن المشترك.
كما أن الثقافة اللبنانية معنية بهذه المهمة بقدر ما هي الثقافة الفلسطينية معنية بها. فالمطلوب ليس أن يتحدث الفلسطيني عن نفسه فقط، بل أن يجد مساحة في الثقافة اللبنانية للتعبير عن ذاته، وأن يصبح الفلسطيني موضوعا للحوار الثقافي اللبناني، لا مجرد موضوع سياسي أو أمني. ومن هنا تأتي أهمية أن تفتح المؤسسات الثقافية اللبنانية منابرها أمام الكتاب والمفكرين والمبدعين الفلسطينيين، وأن تنظم حوارات وندوات ولقاءات مشتركة، وأن تتاح للكاتب والمثقف الفلسطيني فرصة مخاطبة القارئ اللبناني مباشرة، بعيداً عن الوسائط التي قد تعيد إنتاج صورته وفق أجندات سياسية مسبقة.
إن الاحتكاك الثقافي المباشر قد يكون واحدا من أكثر أشكال التواصل فعالية. فاللقاء بين روائي فلسطيني وقراء لبنانيين، أو بين شاعر فلسطيني وشعراء لبنانيين، أو بين فنانين من الطرفين، يمكن أن يحقق في ساعات ما قد تعجز عنه سنوات من الخطاب السياسي. لأن المعرفة المباشرة بالآخر تسقط كثيرا من الأحكام المسبقة، وتحول الآخر من صورة ذهنية إلى إنسان له وجه وصوت وحكاية.
كما لا ينبغي أن تبقى هذه الجهود محصورة في النخب الثقافية. فالمطلوب هو نقل الثقافة من النخب إلى المجتمع، ومن الصالونات الثقافية إلى المدارس والجامعات والبلديات والنوادي والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. ويمكن للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في لبنان، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية اللبنانية، أن يكون أحد الأطر التي تقود هذا النوع من المبادرات، عبر برامج ثقافية فلسطينية – لبنانية طويلة الأمد، لا تقتصر على المناسبات، بل تتحول إلى مسار متواصل للحوار والتفاعل.
أن الإعلام ايضا شريك أساسي في هذه العملية. فحتى أفضل الإنتاجات الثقافية لا تستطيع الوصول إلى جمهور واسع إذا بقيت محصورة داخل دوائرها التقليدية. لذلك فإن المؤسسات الإعلامية اللبنانية والفلسطينية مطالبة بإعادة النظر في طريقة تناولها للشأن الفلسطيني في لبنان، بحيث لا يقتصر حضور المخيم على الأخبار الأمنية أو الأزمات والمناسبات السياسية. فالمخيم لا يجب ان يكون مجرد خبر في نشرة؛ بل هو حياة يومية، وثقافة، وذاكرة، وتعليم، وعمل، وفن، وشباب، ونساء وأطفال، وقصص نجاح وإخفاق، وأحلام مؤجلة.
إن تقديم هذه الصورة المتكاملة لا يعني إخفاء مظاهر الخلل داخل المخيمات، ولا إنكار المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الموجودة هنا وهناك. على العكس، فإن الثقافة الصادقة هي التي تملك الجرأة على رؤية نقاط القوة والضعف معا. لكن من الضروري أيضا ألا تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وألا تصبح الظواهر السلبية عنوانا لمجتمع بأكمله. فالمخيم، رغم كل ما يعانيه، هو بيئة اجتماعية وطنية حافظت على هوية اللاجئ الفلسطيني وعلى ارتباطه بفلسطين وحقه في العودة.
والواقع اليوم أن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تقدم مادة إنسانية هائلة يمكن للثقافة أن تجعلها جسرا بين المجتمعين. فمن مشكلات الصحة والاستشفاء، إلى واقع التعليم والمدارس، ومن البطالة وضيق سوق العمل، إلى مشكلات السكن والبنية التحتية والمياه والكهرباء والطرقات، تتراكم يوميا حكايات إنسانية لا تصل إلى الجمهور اللبناني إلا بصورة محدودة. وهذه الحكايات، إذا وجدت طريقها إلى الرواية والشعر والمسرح والسينما والفنون والإعلام، يمكن أن تجعل اللبناني يرى في اللاجئ الفلسطيني إنسانا يواجه ظروفا قاسية، لا مجرد عنوان سياسي.
وفي المقابل، فإن الثقافة الفلسطينية مطالبة أيضاً بأن تتوجه إلى اللبناني بلغته الثقافية والإنسانية، وأن تبحث عن المساحات المشتركة في الذاكرة والتجربة. فهناك الكثير مما يجمع الفلسطيني واللبناني: الأرض والبحر والقرية والمدينة، العائلة والحنين، الهجرة والاغتراب، الحرب والفقدان، المقاومة والصمود، والتمسك بالبيت والذاكرة. وهذه المشتركات يمكن أن تشكل أساسا لرواية ثقافية جديدة لا تقوم على إلغاء الاختلاف، بل على فهمه وإدارته ضمن علاقة قائمة على الاحترام المتبادل.
من هنا، فإن مهمة الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في لبنان، اضافة الى المهمة الاساسية في الحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية، ينبغي ألا تقتصر على الشأن النقابي أو المهني، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي أوسع، عنوانه إعادة تقديم الفلسطيني إلى اللبناني، وإعادة تعريف العلاقة بينهما من خلال الكلمة والصورة والرواية والحوار. مشروع يجعل الثقافة جسرا لا متراسا، ويفتح المجال أمام الفلسطيني كي يروي حكايته بنفسه، وأمام اللبناني كي يسمع هذه الحكاية من مصدرها الإنساني والثقافي المباشر.
إن معركة الثقافة هنا ليست معركة لإقناع اللبناني بأن الفلسطيني بلا أخطاء، فهذا غير واقعي ولا مطلوب، وليست محاولة لكتابة تاريخ جديد يلغي ما سبق. إنها معركة من أجل أن يرى كل طرف الآخر كما هو، لا كما صُور له. ومن أجل أن يصبح الفلسطيني في الوعي اللبناني إنسانا قبل أن يكون عنوانا سياسيا، وأن يصبح المخيم مكانا للحياة والذاكرة والثقافة، قبل أن يكون خبرا عابراً.
ولعل أفضل ما يستطيع المثقف الفلسطيني أن يفعله في هذه المرحلة هو أن يكتب. أن يكتب عن المرأة والطفل، عن العامل والطالب، عن الشيخ والشاب، عن البيت الضيق والحلم الواسع، عن الذاكرة التي لا تموت، وعن فلسطين التي تسكن تفاصيل الحياة اليومية للاجئ. أن يكتب عن الألم دون أن يحول الفلسطيني إلى ضحية فقط، وعن الصمود دون أن يصنع منه بطلا أسطوريا، وأن يضع أمام القارئ اللبناني صورة إنسانية كاملة للفلسطيني: إنسانا يحب ويعمل ويدرس ويحلم ويخطئ وينجح، ويعيش حياة طبيعية في ظروف غير طبيعية.
فالكلمة، حين تكون صادقة، تستطيع أن تفعل المستحيل. والرواية حين تدخل إلى وجدان القارئ قد تهدم صورة نمطية عمرها عقود. والقصيدة قد تفتح بابا لذاكرة مشتركة. والمسرح قد يضع الإنسان في مواجهة إنسان آخر بعيدا عن كل الحواجز. واللوحة قد تختصر تاريخا كاملا. لكل هذا ، فإن الثقافة الفلسطينية ليست ترفا في معركة تحسين العلاقات الفلسطينية – اللبنانية، بل هي إحدى أدواتها الأساسية، وربما أكثرها قدرة على الوصول إلى الإنسان.
إن المطلوب في النهاية ليس فقط أن يتحدث الفلسطيني عن نفسه، وإنما أن يُسمح له بأن يكون حاضرا في الفضاء الثقافي اللبناني بوصفه شريكا في إنتاج المعرفة والحوار. وعندما يصبح اللقاء الثقافي عادة، والحوار ممارسة، والكتاب جسرا، والفن مساحة مشتركة، يمكن عندها أن تبدأ صورة جديدة بالتشكل؛ صورة لا تلغي الذاكرة ولا تتجاهل الخلافات، لكنها ترفض أن تجعل الماضي سجناً للمستقبل.