تاريخ النشر: 2026-11-03 | 17:50
تاريخ النشر: 2026-11-03 | 17:50
عواصم: نشر موقع "ريسبونسبل ستيتكرافت" (Responsible Statecraft)، نقلاً عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، مقالاً تحليلياً للكاتبة إيلي جيرانمايه، نُشر بتاريخ 31 أكتوبر 2026، يسلط الضوء على التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية في الشرق الأوسط وسط مخاوف من تداعيات سياسات الإدارة الأمريكية.
طرحت الكاتبة تساؤلاً حول ردّ دونالد ترامب المثير للقلق بعبارة «كل شيء ممكن» حين سُئل عن احتمالية شن هجوم جديد على إيران بعد الانتخابات النصفية. وأدت هذه المخاوف من العودة إلى حرب شاملة إلى إطلاق موجة من النشاط الدبلوماسي، برز فيها مساران لافتان لقوى أوروبية وإقليمية بوصفهما «محاولتين أخيرتين» لمنع الدمار الذي ستخلّفه جولة جديدة أو الحد منه.
وتشير الكاتبة إلى أن هذين المسارين، إن نجحا، قد يصبحان ركيزتين لـ«تحالف راغبين» جديد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط «دون قيادة أمريكية». والأكثر لفتاً للنظر هو الغياب الأمريكي عن الاجتماعين، إذ تسعى القوى الأوروبية والإقليمية بشكل متزايد إلى «الالتفاف على واشنطن غير المتوقعة بدلاً من العمل معها».
المسار الأول (E4+R4): عُقد في 23 أكتوبر بإسطنبول على مستوى وزراء الخارجية، وضم دول الـE4 (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) ودول الـR4 (مصر، باكستان، تركيا، السعودية). وهدف إلى الحفاظ على قابلية حل الدولتين، إنهاء الحرب الأمريكية-الإيرانية، إعادة فتح مضيق هرمز، والدفاع عن السعودية في مواجهة الهجوم الحوثي الأخير.
المسار الثاني (مسار طهران): عُقد في 26 أكتوبر بطهران، وضم رؤساء أجهزة الأمن في كل من باكستان، تركيا، والسعودية مع القادة الإيرانيين. وجاء لمحاولة تفادي جولة قتال جديدة بإشراك إيران في عملية دبلوماسية جدية، مع تحذيرها على الأرجح من أن مزيداً من الضربات على البنية التحتية لجيرانها سيقضي على أي أفق للتكامل الإقليمي.
ترى الكاتبة أن انضمام إيطاليا إلى الترويكا الأوروبية (E3) يعزز الثقل الدبلوماسي الأوروبي، ويعوّض ضعف بريطانيا الناجم عن «بريكست»، وتراجع النفوذ الإقليمي لألمانيا بسبب دعمها الثابت لإسرائيل وتوتر علاقاتها مع طهران منذ عام 2022 على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية الإيرانية لروسيا. كما أن إيطاليا لم تشارك في قرار الترويكا العام الماضي لتفعيل آلية «سناب باك» لإعادة العقوبات على إيران، ما قد يساعدها على إعادة فتح طريق المفاوضات.
تشير الكاتبة إلى التقدم الذي أحرزته مجموعة R4 منذ تأسيسها مطلع العام استجابة لتغير موازين القوى في المنطقة؛ فقد وقّع جميع أعضائها باستثناء مصر «تحالف مكة الدفاعي» في أغسطس، وخضع التحالف مؤخراً للاختبار حين فعّل أعضاؤه إجراءات الدفاع الجماعي رداً على الهجوم الحوثي على السعودية، مما يشير إلى أن قوى المنطقة «باتت أكثر استعداداً لتحمّل مسؤولية أمنها».
وتسعى هذه القوى إلى خفض التصعيد، بعد أن أوضحت طهران أن ردها على أي ضربات أمريكية أو إسرائيلية جديدة سيكون أشد ضرراً بكثير مما استوعبته المنطقة خلال الأشهر الثمانية الماضية، مظهرة امتداد قدرتها عبر حلفائها في اليمن الذين ألحقوا أضراراً ببنية تحتية حيوية داخل السعودية وهاجموا الملاحة في البحر الأحمر، في حين أن أي جهد حوثي-إيراني مشترك لتعطيل العبور في مضيقي هرمز وباب المندب ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية.
تعتبر الكاتبة أن إدارة ترامب للملف الإيراني «حطّمت» افتراض مجموعة R4 بأن القوات الأمريكية توفر حماية «حديدية» لحلفائها، وهو واقع يواجهه الأوروبيون أيضاً في أوكرانيا؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل «قد تملكان القدرة العسكرية على تدمير المنطقة، لكنهما أثبتتا عجزهما أو عدم رغبتهما في كسب السلام».
كما تحذّر الكاتبة من أن دفع إيران، البالغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة، نحو الانهيار ستكون له عواقب كارثية على جيرانها وأوروبا، خاصة أن واشنطن وتل أبيب لن تستثماررا في إعادة بنائها، مع ترجيح بقاء نخبة الجمهورية الإسلامية في الحكم، وهيمنة الفصائل العسكرية المتشددة التي أبرزتها الحرب على صنع القرار.
الأولوية الفورية: منع العودة إلى حرب عالية الكثافة، والضغط على ترامب وطهران لإنهاء الصراع وإعادة فتح هرمز.
الصين: استخدام الثقل الاقتصادي المشترك للضغط على بكين لتوظيف علاقاتها التجارية مع إيران في ضمان إعادة فتح دائمة للمضيق، ووقف نقل التكنولوجيا الإيرانية إلى الفاعلين المسلحين من غير الدول.
إسرائيل: كبح النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان وسوريا عبر دعم اقتصادي وفني أقوى للحكومتين المركزيتين وتمويل الجيش اللبناني، وتوسيع الإجراءات الأوروبية ضد سياسات الاحتلال والمستوطنات غير القانونية.
الملف النووي الإيراني: استخدام احتمال تخفيف العقوبات للدفع نحو اتفاق نووي أقوى، وربط تخفيف العقوبات بتعزيز الرقابة الدولية، في ظل مخاوف مشتركة من استعداد واشنطن لتقليص دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أي اتفاق ثنائي.
الاستثمار: عرض دول R4 أن تكون أول المستثمرين في الاقتصاد الإيراني بعد رفع العقوبات، نظراً لتوقع تباطؤ الشركات الأوروبية.
الصواريخ والمسيّرات: إبطاء التقدم الإيراني عبر تعطيل سلاسل الإمداد من الصين وروسيا واعتراض الشحنات إلى حزب الله والحوثيين، بدلاً من السعي إلى تفكيك البرنامج الذي يُستبعد أن تتفاوض عليه طهران بعد إثبات فعاليته.
الشراكة الأمنية والاقتصادية: إثبات أن أوروبا شريك أكثر موثوقية من روسيا والصين والولايات المتحدة في الأمن والدفاع والاقتصاد، في وقت تسعى فيه دول R4 لتعزيز دفاعاتها وتحديث جيوشها وإنعاش اقتصاداتها.
تختتم الكاتبة بالتأكيد على أن صيغة E4+R4 تتيح للأوروبيين والقوى الإقليمية إرساء أسس بنية أمنية أوسع للشرق الأوسط تتجاوز إطار الردع الذي يتصوره «ميثاق مكة»، بل قد تضم على المدى الطويل إيران وإسرائيل عبر دمج «مسار طهران» و«اتفاقيات أبراهام» في عملية واحدة مستفيدة من التجربة الأوروبية في آليات الأمن المشترك. ورغم أن العودة إلى حرب شاملة بين أمريكا وإيران قد تكون حتمية بالنظر إلى «غرائز ترامب الصفرية» ورغبته في إرث قائم على القوة الصلبة، إلا أن هذا الجهد يشير إلى نظام ناشئ تشكّله القوى المتوسطة التي باتت «تتطلع إلى أوروبا لا إلى أمريكا» لدعم دبلوماسيتها، ممثلة فرصة لأوروبا لاستعادة ثقلها بعد فترة طويلة من النفوذ الهامشي.