تاريخ النشر: 2026-11-03 | 18:47
تاريخ النشر: 2026-11-03 | 18:47
واشنطن: نشرت مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) مقالاً تحليلياً لنائب رئيس تحرير المجلة، نيك دانفورث، نُشر بتاريخ 29 أكتوبر 2026، يسلط الضوء على تداعي القوة الجيوسياسية الأمريكية وتراجع هيمنتها العالمية، معتبراً أن الأوساط السياسية والمحللين في واشنطن يتجنبون مواجهة العواقب الحتمية لهذا التراجع وتأثيره المباشر على المواطن الأمريكي.
يؤكد الكاتب أن القوى المهيمنة بطبيعتها تصعد وتتخطى قمتها ثم تسقط، مستعرضاً خريطة المواقف المختلفة للتيارات السياسية في الولايات المتحدة حيال هذا التراجع:
المحافظون الجدد والتقليديون: يعتقدون أن بإمكان أمريكا البقاء كقوة مهيمنة عبر إعادة توظيف قوتها العسكرية والسياسية.
دعاة ضبط النفس (الجمهوريون): يصرون على أن التخلي عن الهيمنة سيبقي الفوضى العالمية تحت السيطرة ويعود بالنفع على الأمريكيين.
المقربون من ترامب: يتبنون أفكاراً ذات طابع عرقي أو حضاري، لكن أفكارهم تسجل نتائج عكسية تهدف لعكس مسار التراجع.
الليبراليون الدوليون (الديمقراطيون): يروجون بتواضع أكبر لقدرة واشنطن على تجديد نظام عالمي يخدم مصالحها.
التقدميون (الديمقراطيون): مقتنعون بأن انتهاج سياسة خارجية أكثر تحفظاً سيجلب السلام والرخاء للمواطنين العاديين دون الإضرار إلا بنخبة المليارديرات.
يوضح الكاتب أن السياسة الخارجية الأمريكية خلال الحرب الباردة وما بعدها منحت الناخبين فوائد مادية ونفسية هائلة دون تكبد كلفة الحروب المباشرة الواسعة؛ فقد عززت الهيمنة توسع التجارة العالمية، ودعمت الاستقرار عبر الناتو و"الديكتاتوريين الأصدقاء" في الشرق الأوسط، وضمنت حرية البحار، مما ضاعف الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من عشرة أضعاف منذ عام 1945.
لكن اليوم، ومع تراجع الهيمنة، باتت المكاسب المالية تذهب إلى نخبة ثرية صغيرة، فيما يشعر المواطنون العاديون بأنهم يتحملون تكاليف القوة الأمريكية وثمنها بالدم والدعم دون جني ثمارها.
يشير الكاتب إلى أن التعامل مع التداعيات النفسية للتراجع يشكل التحدي الأكبر؛ فمع شعور الكثير من الأمريكيين بالفخر والسيطرة سابقاً، جاءت حركة ترامب لتؤكد أن الليبرالية الدولية "تمنح الاحترام للأشخاص الخطأ"، فوعد ترامب بـ"إعادة توزيع الاحترام" لصالح الأمريكيين البيض غير الحاصلين على شهادات عليا والذين يشعرون بالتهميش، مستخدماً الاستعراض العسكري والخطاب القومي للتعويض عن الإحساس بالتراجع.
يرى دانفورث أن ترامب سعى إلى تلبية توقعات الأمريكيين باستعادة الشعور بالسيطرة عبر "استنزاف" القوة الأمريكية المتراكمة، كما حدث في التعامل بفظاظة مع بعض الملفات الدولية. إلا أن حرب إيران أظهرت حدود هذا النهج بوضوح؛ فعجز واشنطن عن حسم المعركة عسكرياً وقدرة طهران على التحدي لثمانية أشهر خلّفا آثارا اقتصادية مباشرة على المواطنين الأمريكيين، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى "الكذب المنهجي" بشأن الخسائر وأوضاع الملاحة في مضيق هرمز لمواجهة اتهامات الهزيمة.
ويحذر الكاتب من أن العالم لن يبقى آمناً بعيداً عن عواقب التراجع الأمريكي، على عكس ما حدث عقب الانهيار الإمبراطوري البريطاني، نظراً لارتباط اقتصادات العالم وعولمتها العميقة.
يخلص الكاتب إلى أن العقود المقبلة ستكون أكثر عنفاً وستجعل المواطنين الأمريكيين أقل أماناً وازدهاراً، محذراً من أن دعاة ضبط النفس وإن كانوا محقين في ضرورة قبول عالم متعدد الأقطاب "بلباقة"، إلا أنهم يبالغون في تفاؤلهم بأن هذا التحول سيكون سلساً ولن يحمل تكاليف مؤلمة للشعب الأمريكي الذي قد يثور غضباً في لحظة إذلال وطني مشابهاً لمزاج ما بعد 11 سبتمبر.