تاريخ النشر: 2026-11-04 | 14:22
تاريخ النشر: 2026-11-04 | 14:22
ليست عظمة الرجال بما يتركونه خلفهم من مناصب أو ألقاب، وإنما بما يغرسونه في ذاكرة الأوطان من مواقف، وما يتركونه في وجدان الأجيال من قيمٍ ومعانٍ لا تمحوها السنون. ومن بين تلك القامات التي احتفظت الذاكرة الفلسطينية بسيرتها، يبرز اسم الشهيد القائد عبد الحكيم سعيد فرج شمالي، ابن حي الشجاعية الأصيل، الذي ارتبط اسمه بمسيرة العطاء والانتماء، ورحل تاركاً خلفه حكاية رجلٍ لم يكن الوطن عنده مجرد أرض، بل قضيةً تسكن القلب والوجدان.
النشأة والبدايات.. ملامح الانتماء الأول
وُلد الشهيد عبد الحكيم في حي الشجاعية بمدينة غزة، في الرابع من آذار/مارس عام 1966، ونشأ بين أزقة حي التركمان وحقوله ومزارعه، حيث تشكّلت ملامح شخصيته الأولى في بيئةٍ شعبية أصيلة، كانت حكايات الصمود والتضحيات حاضرةً في تفاصيل الحياة اليومية.
ومنذ طفولته، تعلّق بسير الرجال الذين واجهوا الاحتلال، وظل يتابع أخبارهم ويزور قبور الشهداء الذين ارتقوا بالقرب من منزله، وكأن بذرة الوفاء للوطن كانت تنمو في أعماقه مبكراً.
تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة حطين، وأكمل المرحلة الإعدادية في مدرسة الهاشمية، قبل أن تدفعه الظروف الاقتصادية إلى مغادرة مقاعد الدراسة والتوجه إلى سوق العمل، حيث عمل في مهنة الدهان لمساعدة أسرته وتحمل مسؤوليات الحياة، دون أن يتخلى عن اهتمامه بالشأن الوطني والثقافي.
في رحاب الشبيبة الفتحاوية.. حضورٌ يتجاوز حدود المكان
مع تأسيس لجان الشبيبة الفتحاوية عام 1982، وجد عبد الحكيم في العمل المجتمعي والتنظيمي مساحةً للتعبير عن انتمائه، فشارك في الأنشطة التطوعية والفعاليات الوطنية، وحرص على حضور اللقاءات الثقافية والتنظيمية، وكان شغوفاً بالقراءة والاطلاع، مؤمناً بأن الوعي والمعرفة ركيزتان أساسيتان في بناء الشخصية.
ولم يكن حضوره محصوراً في إطارٍ واحد؛ فقد أحب كرة القدم، وأسهم في تشكيل فريق رياضي لأبناء حيه، وتولى مسؤوليات اجتماعية ورياضية، قبل أن تتسع الفكرة نحو تأسيس منتدى الكرامة، ليكون مساحةً للقاء والتواصل والعمل المجتمعي، ومشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم.
كان عبد الحكيم نموذجاً للشاب الذي يجمع بين مسؤولية العمل ومتطلبات الحياة، وبين الحضور الاجتماعي والالتزام الوطني، فحظي بمكانةٍ بين أبناء منطقته، وعُرف بروح المبادرة والعطاء.
الاعتقال والانتفاضة.. محطاتٌ صقلت التجربة
لم تكن مسيرته بعيدةً عن ملاحقة الاحتلال؛ فقد تعرض للاستدعاء والتهديد، كما شارك في استقبال الأسرى المحررين عام 1985، واحتفى بعودتهم إلى أحضان شعبهم، في مشهدٍ عكس عمق ارتباطه بقضية الأسرى وذاكرة الحركة الوطنية.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في كانون الأول/ديسمبر 1987، كان حاضراً في فعالياتها الشعبية والوطنية داخل حي الشجاعية، قبل أن تطاله حملات الاعتقال، ويُعتقل مع ثلاثة من أشقائه في ليلة واحدة، في مشهدٍ قاسٍ على والدته التي وجدت أربعةً من أبنائها خلف القضبان.
وبعد الإفراج عنه في شباط/فبراير 1988، عاد إلى حياته ومحيطه، واستأنف حضوره في اللجان الشعبية، مواصلاً مسيرته رغم ما تركته سنوات المواجهة والملاحقة من آثار على جسده وحياته.
وقد تعرض لإصابة بانزلاق غضروفي استدعت سفره إلى جمهورية مصر العربية لتلقي العلاج في مستشفى فلسطين، وبعد فترة من العلاج عاد إلى غزة، ليستكمل مسيرته ضمن مجموعات صقور فتح، حاملاً في وجدانه أمنيةً ظل يرددها، وهي أن ينال الشهادة كما نالها رفيقه الشهيد سامي الغول.
28 آذار 1994.. يومٌ غاب فيه الصقور وبقيت الحكاية
وفي الثامن والعشرين من آذار/مارس عام 1994، امتدت يد الاغتيال إلى الشهيد عبد الحكيم شمالي، خلال الجريمة التي استهدفت ستةً من قادة ومقاتلي صقور فتح في مخيم جباليا، في واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في ذاكرة قطاع غزة.
في ذلك اليوم، ارتقى عبد الحكيم إلى جانب رفاقه الشهداء: أحمد أبو ابطيحان، وجمال عبد النبي، وأنور المقوسي، وناهض عودة، ومجدي عبيد، لتفقد الحركة الوطنية الفلسطينية ستةً من أبنائها، وتفقد عائلاتهم وأصدقاؤهم وجيرانهم وجوهاً ارتبطت بسنواتٍ من الحضور والعطاء.
لم يكن رحيله مجرد غياب رجل، بل كان طيَّ صفحةٍ من سيرة جيلٍ حمل أحلامه وتطلعاته، وعاش تفاصيل مرحلةٍ قاسية من تاريخ شعبنا الفلسطيني.
رحل الجسد وبقي الأثر
إن استحضار سيرة الشهيد القائد عبد الحكيم سعيد فرج شمالي هو استحضارٌ لمعنى الانتماء الصادق، ولحكاية شابٍ بدأ حياته بين أزقة الشجاعية، وعمل بجهده وكدّه، وشارك مجتمعه، وحمل هموم وطنه، وظل اسمه حاضراً في ذاكرة رفاقه وأبناء حيه.
رحل عبد الحكيم، لكن سيرته بقيت شاهدةً على إنسانٍ صنعته البدايات الصعبة، وصقلته التجارب، واحتضنته ذاكرة المكان. فالرجال الذين يتركون أثراً في حياة الناس لا يغيبون برحيلهم، بل تظل أسماؤهم حاضرةً كلما استعاد الوطن حكايات أبنائه الأوفياء.
رحم الله الشهيد القائد عبد الحكيم سعيد فرج شمالي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه الطيبة باقيةً في ذاكرة أهله ورفاقه وشعبه، ورحم الله شهداء فلسطين الأبرار.