تركيا وإسرائيل على مسار تصادمي: سوريا وشرق المتوسط يبددان مناطق الفصل القديمة

تركيا وإسرائيل على مسار تصادمي: سوريا وشرق المتوسط يبددان مناطق الفصل القديمة

تاريخ النشر: 2026-09-09 | 22:15

عواصم: تدخل العلاقات التركية–الإسرائيلية مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، مع انتقال التوتر بين البلدين من الخلافات السياسية والدبلوماسية التقليدية إلى ساحات أمنية وعسكرية واستخبارية تتقاطع فيها مصالح الطرفين بصورة مباشرة، خصوصًا في سوريا وشرق المتوسط. ولم يعد التنافس بين أنقرة وتل أبيب محصورًا في المواقف من القضية الفلسطينية أو الخلاف حول ملفات إقليمية منفصلة، بل بات يعكس تنازعًا أوسع على شكل النظام الأمني الذي يتبلور في المنطقة.

ويشير تحليل نشره موقع War on the Rocks في 7 سبتمبر/أيلول 2026 للباحث علي مراد كورشون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة مرمرة، إلى أن تقلص المناطق العازلة التي كانت تفصل بين مجالات النفوذ التركي والإسرائيلي يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر، بعدما أصبحت سوريا إحدى أبرز نقاط التماس بين رؤيتين أمنيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة.

سوريا تتحول إلى ساحة التماس الرئيسية

شكّل سقوط نظام بشار الأسد، وفق التحليل، تحولًا جيوسياسيًا أساسيًا في طبيعة العلاقة بين تركيا وإسرائيل. فقد كانت سوريا، بصورتها السابقة، تشكل حاجزًا عمليًا يفصل المجال الأمني التركي في الشمال عن النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب والمجال الجوي السوري. إلا أن انهيار هذا الحاجز جعل المصالح الأمنية للطرفين تتقاطع بصورة أكثر مباشرة.

وتسعى أنقرة إلى دعم قيام دولة سورية مركزية تمتلك جيشًا نظاميًا قادرًا على احتكار استخدام القوة وضبط الجماعات المسلحة وتأمين الحدود وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين السوريين. وترى تركيا أن تعزيز مؤسسات الدولة السورية يمثل جزءًا من أمنها القومي، ويحد من حالة التفكك التي سمحت خلال السنوات الماضية بتمدد الجماعات المسلحة والقوى الإقليمية المختلفة.

في المقابل، تنظر إسرائيل بحذر إلى أي عملية واسعة لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، ولا سيما إذا تمت بدعم مباشر من تركيا. ويعود ذلك إلى خشيتها من أن يؤدي نشر منظومات رادار ودفاع جوي حديثة داخل سوريا إلى الحد من حرية تحرك سلاح الجو الإسرائيلي، التي تعدها تل أبيب عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها الأمنية تجاه سوريا ولبنان وإيران.

وبرز هذا التعارض بصورة واضحة عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا في 18 أغسطس/آب 2026. وبحسب الرواية التي يناقشها التحليل، كانت إسرائيل تعتقد أن تركيا تستعد لنشر منظومة رادار ودفاع جوي في القاعدة يشرف عليها عسكريون أتراك، بينما رفضت أنقرة اعتبار مثل هذا الانتشار حشدًا هجوميًا يستهدف إسرائيل.

المشكلة الأساسية هنا تتجاوز طبيعة المنظومة العسكرية نفسها. فبالنسبة إلى إسرائيل، يمكن لأي شبكة دفاع جوي متطورة في سوريا أن تحد من حرية عملياتها الجوية. أما تركيا فتنظر إلى تطوير هذه القدرات باعتباره جزءًا طبيعيًا من إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، لا تهديدًا عسكريًا لإسرائيل.

خطر سوء التقدير العسكري

تزداد حساسية الوضع بسبب غياب قواعد واضحة ومُلزمة لإدارة الاحتكاك العسكري المباشر. ويشير التحليل إلى وجود آلية لتبادل المعلومات وخفض التصعيد بين تركيا وإسرائيل بإشراف أميركي، إلا أن الأحداث المحيطة بضربة أبو الظهور كشفت محدودية هذه الآلية عندما لا يجري استخدامها بصورة مباشرة في اللحظات الحرجة.

وبحسب الرواية الواردة، سبقت الضربة الإسرائيلية اتصالات سياسية ودبلوماسية شملت نقل مخاوف إسرائيلية إلى الجانب السوري، لكن ذلك لم يكن بديلًا عن تفعيل قنوات منع الاشتباك العسكرية مع أنقرة.

ويضيف التحليل أن السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، أشار إلى أن التقييمات الاستخبارية الأميركية لم تجد ما يؤكد وجود حشد تركي هجومي يشكل تهديدًا لإسرائيل. ويستند الكاتب إلى هذه النقطة للتشكيك في تفسير تل أبيب لطبيعة التحركات التركية، مع التأكيد أن هذا الاستنتاج يعكس رؤية الكاتب التحليلية ولا يمثل حقيقة مستقلة متفقًا عليها بين الأطراف.

اختلاف جوهري في العقيدة الأمنية

يكشف التوتر في سوريا عن اختلاف أعمق بين العقيدتين الأمنيتين التركية والإسرائيلية.

فإسرائيل بنت جانبًا مهمًا من استراتيجيتها الإقليمية خلال العقود الماضية على مبدأ منع تشكل تهديدات عسكرية قبل اكتمالها، والحفاظ على حرية العمل العسكري والاستخباري خارج حدودها، خصوصًا ضد إيران وحزب الله والجماعات المسلحة المرتبطة بهما.

لكن تطبيق هذه الاستراتيجية على مشروع لإعادة بناء دولة سورية تدعمه قوة إقليمية نظامية مثل تركيا يخلق معادلة مختلفة. ففي هذه الحالة، لم تعد الضربات الإسرائيلية تستهدف بالضرورة جماعات مسلحة غير حكومية أو شبكات إمداد إيرانية، بل يمكن أن تمس بنى أمنية تعتبرها أنقرة جزءًا من مشروعها الاستراتيجي في سوريا.

أما تركيا فتربط أمنها الإقليمي بوجود دول مركزية قادرة على ضبط أراضيها وحدودها، وترى أن استمرار التفكك السياسي والعسكري في الدول المجاورة يخلق فراغات أمنية تستفيد منها الميليشيات والتنظيمات المسلحة والقوى الخارجية.

وهكذا، فإن ما تعتبره إسرائيل إجراءً وقائيًا لحماية حريتها العملياتية قد تعتبره تركيا محاولة لإضعاف الدولة السورية الجديدة وتقويض ترتيبات أمنية ترى أنها ضرورية لاستقرار حدودها الجنوبية.

شرق المتوسط.. من خلافات الطاقة إلى الردع البحري

لا يقتصر التنافس على سوريا. فشرق المتوسط أصبح بدوره مسرحًا متزايد الأهمية للتنافس العسكري والاستراتيجي بين الطرفين.

وتنظر أنقرة بقلق إلى شبكة التعاون الأمني والسياسي التي تربط إسرائيل باليونان وقبرص، إلى جانب حضور فرنسي متزايد في بعض ترتيبات المنطقة. وترى تركيا أن هذه الشراكات يمكن أن تتحول إلى بنية إقليمية تهدف إلى تقييد نفوذها البحري والسياسي.

وفي مواجهة ذلك، طورت أنقرة خلال السنوات الأخيرة مفهوم «الوطن الأزرق» من مجرد أطروحة مرتبطة بالسيادة البحرية وترسيم الحدود إلى سياسة أكثر نشاطًا تشمل الانتشار البحري والمناورات العسكرية واستخدام الغواصات وتعزيز الحضور في مناطق النزاع البحري.

ويبدو المشهد الحالي أقرب إلى حالة ردع متبادل أو «حرب أعصاب» بحرية منه إلى مواجهة مفتوحة، إذ يحاول كل طرف التأكيد أن أي ترتيبات مستقبلية للطاقة أو الأمن في شرق المتوسط لا يمكن أن تستقر من دون مراعاة مصالحه وقدراته العسكرية.

مواجهة استخبارية موازية

إلى جانب الساحتين السورية والبحرية، يتزايد الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل على المستوى الاستخباري.

وتحدثت السلطات التركية خلال السنوات الأخيرة عن تفكيك عدد من الشبكات التي قالت إنها تعمل لصالح جهاز الموساد، ضمن عمليات بدأت بصورة أكثر وضوحًا منذ عام 2021. وشملت الاتهامات شبكات واسعة لجمع المعلومات ومراقبة أهداف داخل تركيا، إلى جانب مداهمات واعتقالات نفذتها الأجهزة الأمنية التركية في السنوات التالية.

ويشير هذا المسار إلى أن التنافس الاستخباري لم يعد نشاطًا خفيًا محدودًا، بل أصبح جزءًا معلنًا نسبيًا من الصراع بين الطرفين، يمتد تأثيره إلى تركيا وسوريا والعراق ولبنان.

ويزيد هذا البعد من خطورة العلاقة، لأن الاحتكاك الاستخباري يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمات سياسية أو أمنية، خصوصًا إذا ارتبط بعمليات ميدانية أو استهداف شخصيات أو منشآت مرتبطة بأحد الطرفين.

تنافس على شكل النظام الإقليمي

في جوهره، لا يبدو التوتر التركي–الإسرائيلي مجرد خلاف ثنائي، بل يعكس تنافسًا على طبيعة النظام الأمني الذي يتشكل في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب وتراجع عدد من القوى والفاعلين التقليديين.

تريد إسرائيل الحفاظ على قدرة واسعة للتحرك الاستباقي ومنع ظهور قدرات عسكرية يمكن أن تحد من هامشها العملياتي، في حين تسعى تركيا إلى تثبيت مناطق نفوذها وتعزيز الدول المركزية المجاورة، ولا سيما سوريا، بما يقلص قدرة الأطراف الخارجية على العمل العسكري داخلها بصورة منفردة.

ومع تآكل المسافات الجغرافية والسياسية التي كانت تفصل بين الطرفين، يصبح خطر التصادم أكبر، ليس بالضرورة نتيجة قرار سياسي متعمد ببدء حرب، بل بسبب ضربة عسكرية محدودة أو نشر منظومة دفاعية أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر.

الدور الأميركي

تبقى الولايات المتحدة الطرف الخارجي الأكثر قدرة على إدارة هذا التوتر، بالنظر إلى علاقاتها الأمنية الوثيقة مع إسرائيل وعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي.

ويقترح التحليل تطوير إطار أكثر فاعلية لمنع الاشتباك في سوريا والمشرق، يقوم على تحديد خطوط حمراء واضحة بين الطرفين، والاعتراف بالدور التركي في بناء قدرات الدولة السورية، مقابل وضع ضوابط تمنع أي وجود عسكري من التحول إلى تهديد مباشر لإسرائيل.

كما يدعو إلى بناء إطار أمني أوسع في شرق المتوسط يضم تركيا بدل الاعتماد على ترتيبات إقليمية تعتبرها أنقرة محاولة لاستبعادها أو تطويقها.

لكن نجاح مثل هذه الترتيبات سيبقى مرتبطًا بقدرة واشنطن على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى وضع قواعد واضحة تمنع تحول الاحتكاك العسكري إلى مواجهة مفتوحة.

المؤشرات الحالية لا تعني أن حربًا تركية–إسرائيلية أصبحت حتمية، لكنها تكشف أن المساحة الفاصلة بين البلدين تضيق بصورة متسارعة. وكلما تداخلت المجالات العسكرية والبحرية والاستخبارية، أصبح الاعتماد على الردع وحده أكثر خطورة، وازدادت الحاجة إلى قواعد اشتباك وقنوات اتصال قادرة على منع حادث محدود من التحول إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه.

×
أخبار
تطهير البنتاغون.. استقالات وإقالات تهدد جاهزية الجيش الأمريكي في ذروة حرب إيران سي إن إن: أمريكا تخطّط لـ"ضربات حاسمة" ضد نووي إيران.. و"جبل الفأس" في دائرة الاستهداف تركيا وإسرائيل على مسار تصادمي: سوريا وشرق المتوسط يبددان مناطق الفصل القديمة ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تراجع حاد في المنح الأكاديمية الأوروبية لإسرائيل وسط مؤشرات المقاطعة الدولية نبيل فهمي: "نواجه مسؤولية تاريخية لاستعادة الفاعلية العربية وتصحيح مسار العمل المشترك" فيديو بعد تقديم القوائم وتقرير هآرتس..استطلاعات: تقارب بين الكتل الصهيونية "الجدار والاستيطان": دولة الاحتلال تدرس 13 مخططا استيطانيا بينها 3 للمصادقة الليكود يزج بدحلان في قضية "تحذير 7 أكتوبر": "تدخل أجنبي في الانتخابات" مصدر إماراتي: وصل تحذير فعلي لنتنياهو من أبو ظبي قبل 7 أكتوبر محدث..مجلس محافظي وكالة الطاقة النووية يحيل إيران لمجلس الأمن معركة إثبات ملكية أنقاض غزة.. حرب أخرى لحماية الأرض والحقوق بعد الدمار اليابان تتجه إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية وسط تغييرات متسارعة ترحيب عربي وإسلامي واسع بالقرار البريطاني حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية بيرنهام: عقوبات إسرائيل تُظهر دور بريطانيا القيادي عالمياً الصليب الأحمر يجري زيارة لسجون الاحتلال دون لقاء الأسرى نتنياهو من الأراضي السورية: "نحن قريبون جدًا" من حسم المواجهة مع إيران - فيديو ترامب يحيل اتفاقية التعاون النووي السلمي مع السعودية إلى الكونغرس الحرس الثوري يعلن شروط إيران لفتح مضيق هرمز استطلاع: معسكر آيزنكوت يتقدّم على نتنياهو وقد يحصل على 61 مقعدا عون: أي فراغ أمني في الجنوب يشكل ذريعة للاعتداءات ومساسًا بالسيادة الوطنية جيش الاحتلال يعلن اعتقال 3 عناصر من الشرطة الفلسطينية قرب بيتونيا برام الله الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على  قطاع غزة إلى 73,669 شهيداً ممداني يتهم قادة نيويورك بالكذب ويشنر كشف عن وثائق سرية بشأن 11 سبتمبر تقرير: الاستيطان والاستيلاء على الأراضي إلى عمق الضفة: أقصى مساحة، أدنى عدد من السكان موقع: ترامب لم يعترض على عقوبات بريطانيا ضد المستوطنات..كان يعلم ولم يطلب التراجع باراك يوجه اتهامات خطيرة ضد نتنياهو: أين كانت الخيانة فهمي يرحب بقرار بريطانيا حظر التجارة في سلع المستوطنات ويدعو الانضمام لها التطهير العرقي..قنبلة بريطانية في وجه الفاشية اليهودية! أ ب: الحوثيون وميليشيات عراقية مدعومة من إيران يوحدون جهودهم لتهديد السعودية والخليج

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط